هود عليه السلام
4- نهاية قوم عاد
فاستكبروا وتفاخروا بقوتهم وقالوا لهود: { فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } [فصلت: 15]
وأخذوا يسخرون منه ويستعجلون العذاب والعقوبة في سخرية واستهزاء فقالوا: { قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } [الأعراف: 70
فقال هود -عليه السلام-: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [الأعراف:71]
أي: قد استحققتم بهذه المقالةالرجس والغضب من الله، أتعارضون عبادة الله وحده لا شريك له بعبادة أصنام نحتموهاوسميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم؟ اصطلحتم عليها أنتم وآباؤكم، ما نزل الله بها منسلطان، أي: لم ينزل على ما ذهبتم إليه دليلاً ولا برهاناً، وإذ أبيتم قبول الحقوتماديتم في الباطل، سواء عليكم أنهيتكم عما أنتم فيه أم لا، فانتظروا الآن عذابالله الواقع بكم، وبأسه الذي لا يرد، ونكاله الذي لا يصد.
وبدأ عذاب الله لقوم عاد بأن أرسل عليهم حرًّا شديدًا، جفَّت معه الآبار والأنهار، وماتت معه الزروع والثمار، وانقطع المطر عنهم مدة طويلة، ثم جاء سحاب عظيم، فلما رأوه استبشروا به، وفرحوا، وظنوا أنه سيمطر ماءً، وقالوا: ( هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) [الأحقاف: 24
لقد ظنوا أن السحب ستأتي لهم بالخير، لتروي عطشهم وتسقي إبلهم وخيولهم، وزرعهم وبساتينهم، ولكنها كانت تحمل لهم العذاب والفناء،
فجاءتهم ريح شديدة استمرت سبع ليالٍ وثمانية أيام دائمة دون انقطاع، تدمر كل شيء أمامها حتى أهلكتهم،
قال تعالى: { فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ } [الأحقاف: 24-25
وقد ذكرالمفسرون وغيرهم هاهنا الخبر الذي ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يسار قال: فلماأبوا إلا الكفر بالله عز وجل، أمسك عنهم القطر ثلاث سنين، حتى جهدهم ذلك، قال وكانالناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان فطلبوا من الله الفرج منه إنما يطلبونه بحرمةومكان بيته، وكان معروفاً عند أهل ذلك الزمان، وبه العماليق مقيمون، وهم من سلالةعمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وكان سيدهم إذ ذاك رجلاً يقال له معاوية بن بكر،وكانت أمة من قوم عاد واسمها جلهذه ابنة الخيبري.
قال: فبعث عاد وفداًقريباً من سبعين رجلاً ليستسقوا لهم عند الحرم، فمروا بمعاوية ابن بكر بظاهر مكة،فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهراً، يشربون الخمر، وتغنيهم الجرادتان، قينتان لمعاوية،وكانوا قد وصلوا إليه في شهر.
فلما طال مقامهم عنده، وأخذته شفقة على قومهواستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف، عمل شعراً يعرض لهم فيه بالانصراف، وأمرالقينتين أن تغنيهم به فقال:
ألا يا قيل ويحك وقم فهبنم فيسقي أرضعاد إن عادا من العطش الشديد فليس نرجو وقد كانت نساؤهم بخير وإن الوحش يأتيهمجهاراً وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم فقبح وفدكم من وفد قوم لعل الله يصحبنا غماما قدأمسوا لا يبينون الكلاما به الشيخ الكبير ولا الغلاما فقد أمست نساؤهم أيامي ولايخشى لعاد سهاماً نهاركم وليلكم تماما ولا لقوا التحية والسلاما
قال فعند ذلك تنبه القوم لما جاءوا له، فنهضوا إلي الحرم ودعوالقومهم، فدعا داعيهم،
وهو قيل بن عتر، فأنشأ الله سحابات ثلاث: بيضاء، وحمراء،وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء اختر لنفسك أو لقومك من هذا السحاب، فقال: اخترتالسحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء، فناداه مناد: اخترت رماد رمدداً لا تبقى منعاد أحداً، لا والداً تترك ولا ولداً، إلا جعلته همداً؛ إلا بني اللوذية الهمداقال: وهم بطن من عاد كانوا مقيمين بمكة، فلم يصبهم ما أصاب قومهم. قال: ومن بقى منأنسابهم وأعقابهم هم عاد الآخرة.
قال: وساق الله السحابة السوداء التياختارها قيل بن عتر بما فيها من النقمة إلي عاد حتى تخرج عليهم من واد يقال لهالمغيث، فلما رأوها استبشروا، وقالوا: هذا عارض ممطرنا فيقول تعالى:
هوما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلامساكنهم، كذلك نجزي القوم المجرمين
فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون امرأةمن عاد يقال لها: "مهد" فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت،
فلما أفاقت قالوا: مارأيت يا مهد؟ قالت: ريحاً فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها. فسخرها الله عليهمسبع ليال وثمانية أيام حسوماً، والحسوم: الدائمة، فلم تدع من عاد أحداً إلا هلك.
قال: واعتزل هود عليه السلام ـ فيما ذكر لي ـ في حظيرة هو ومن معه منالمؤمنين ما يصيبهم إلا ما تلين عليهم الجلود، وتلذ الأنفس، وإنها لتمر على عادبالظعن فيما بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة، وذكر تمام القصة.
وقدروي الإمام احمد حديثاً في مسنده يشبه هذه القصة فقال: حدثنا زيد بن الحباب حدثنيأبو المنذر سلام بن سليمان النحوي، حدثنا عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عنالحارث ـ وهو ابن حسان ـ ويقال ابن يزيد البكري، قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرميإلي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطعبها، فقال لي: يا عبد الله إن لي إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، فهل أنتمبلغي إليه؟
قال: فحملتها، فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذاراية سوداء تخفق وإذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهاً.
قال: فجلست،قال: فدخل منزله ـ أو قال رحله ـ فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال: "هلكان بينكم وبين بني تميم شيء؟" فقلت: نعم، وكانت لنا الدائرة عليهم، ومررت بعجوز منبني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك وهاهي بالباب، فأذن لها فدخلت، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزاً، فاجعل الدهناء،
فحميتالعجوز واستوفزت، وقالت: يا رسول الله فإلي أين تضطر مضطرك؟ قال فقلت: إن مثلي ماقال الأول: معزى حملت حتفها، حملت هذه الأمة ولا أشعر أنها كانت لي خصماً، أعوذبالله ورسوله أن أكون كوافد عاد، قال: هيه وما وافد عاد؟ وهو أعلم بالحديث مني ولكنيستطعمه.
قلت: إن عاداً قحطوا فبعثوا وافداً لهم يقال له: قيل، فمر بمعاويةبن بكر فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما: الجرادتان، فلمامضى الشهر خرج إلي جبل تهامة، قال: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلي مريض فأداويه،ولا إلي أسير فأفاديه، اللهم أسق عاداً ما كنت تسقيه.
فمرت به سحابات سود فنوديمنها: اختر، فأومأ إلي سحابة منها سوداء فنودي: خدها رماداً رمدداً، لا تبقى من عادأحداً، قال: فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا كقدر ما تجري في خاتمي هذا منالريح حتى هلكوا.
قال ابن وائل: وصدق، فكانت المرأة والرجل إذابعثوا وافداً لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد. وهكذا رواه الترميذي عن عبد بن حميد، عنزيد بن الحباب به. ورواه النسائي من حيث سلام أبي المنذر، عن عاصم بن بهدلة، ومنطريقة رواه ابن ماجه. وهكذا أورد هذا الحديث وهذه القصة عند تفسير هذه القصة غيرواحد من المفسرين كابن جرير وغيره.
وقد يكون هذا السياق لإهلاك عاد الآخرة،فإن فيما ذكره ابن إسحاق وغيره ذكر لمكة ولم تبن إلا بعد إبراهيم الخليل، حين أسكنفيها هاجر وابنه إسماعيل، ونزلت جرهم عندهم كما سيأتي، وعاد الأولى قبل الخليل،وفيه ذكر معاوية بن بكر وشعره. وهو من الشعر المتأخر عن زمان عاد الأولى، ولا يشبهكلام المتقدمين. وفيه أن في تلك السحابة شرر النار، وعاد الأولى إنما هلكوا بريحصرصر. وقد قال ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من أئمة التابعين هي: الباردة،والعاتية: الشديدة الهبوب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته